أرسطو
19
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
وانما هو يعاقبه حينما يصم أذنيه . ولو أن قانون الأخلاق سلك في التأديب سبلا غير معنوية محضة لكان في ذلك من التناقض ما فيه . فكم في هذا التأديب من مجاملة تراعى في حق الجاني ! وكم من مجهود ينفق في سبيل ردّه إلى الخير ، ولا يشعر بهذا المجهود أحد إلا هو ، ولا يذاع خبره في الخارج ! تحفظ ورصانة أيما رصانة ! ولا شك في أن الانسان يجاوز غير مرة حدود الاعتداد بهذه الرحمة ، غير أن الشكوى منها إنما هي الجمع بين كفران النعمة وسوء الخلق . حسب الانسان استهانة برحمة اللّه أنه لا ينتفع بها ، فان كل قلب مهما قسا يعجب بها ويشكر الشارع الاسمي على لطفه في جانب عظيم قدرته . إليك نتيجة أخرى لهذا النظام القدسي ليست أقل من الأولى صدقا ولا أخف منها وزنا ، وهي أن الانسان متى أحس من نفسه الاختيار في طاعة قانون العقل أو في عصيانه ، أحس بذلك أنه مسؤول عن أعماله أمام القدير الصانع لهذا القانون ولهذا الاختيار . فليس عليه البتة أن يخافه الخوف الذي لا يليق إلا بالعبد ، لأن طبيعة طاعته قد تجعله يعامل أبا رحيما لا سيدا . لكنه يجب أن يتقى غضبه عليه بتعدّي حدود القانون الذي يعترف هو نفسه أنه غاية في العدل . ولئن كان الانسان يغضب في قلبه من الخطيئة التي وقع فيها ، فمن باب أولى يجب أن يعتقد أن الشارع يغضب على من يرتكب الخطيئة وهو في مكنة من اجتنابها . إن الانسان الذي له بقانون الأخلاق في هذه الدنيا حظ ممتاز يجب عليه أن يؤدى الحساب عما يكون قد أنفق فيه هذا الحظ . ليس عليه حساب لأمثاله ، لأن غاية ما يعرفون هي أعماله التي يعاقبونه عليها أحيانا ، ولأنهم رعية مثله فما هم وهو إلا على حدّ سواء ، لا يستطيعون أن يكونوا قضاته الحقيقيين ، لأنه يعزب عن علمهم ما تجيش به الصدور من نيات جميع الأفعال